فصل: تفسير الآية رقم (6):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التيسير في التفسير أو التفسير الكبير المشهور بـ «تفسير القشيري»



.سورة الحج:

.تفسير الآية رقم (1):

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)}
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ} نداء علامة، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا} [البقرة: 104] نداء كرامة، وبكلِّ واحدٍ من القسمين يفتتح الحقُّ خطابه في السُّوَر، وذلك لانقسام خطابه إلى صفة التحذير مرةً، وصفة التبصير أخرى.
والتقوى هي التحرز والاتقاء وتجنب المحظورات. وتجنب المحظورات فَرْضٌ، وتجنب الفضلات والشواغل- وإن كان من جملة المباحات- نَفْلٌ، فثوابُ الأول أكثر ولكنه مؤجَّل، وثوابُ النَّفْلِ أقلُّ ولكنه مُعَجَّل.
ويقال خوَّفهم بقوله: {اتَّقُوا} ثم سكَّن ما بهم من الخوف بقوله: {رَبَّكُمْ} فإنَّ سماعَ الربوبية يوجب الاستدامة وجميل الكفاية.
قوله: {إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَئ عَظِيمٌ}: وتسمية المعدوم شيئاً توَسُّعٌ، بدليل أنه ليس في العدم زلزلة بالاتفاق وإن كان مُطْلَقُ اللفظِ يقتضيه، وكذلك القول في تسميته شيئاً هو توسُّع.

.تفسير الآية رقم (2):

{يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (2)}
لكلٍ ذل اليومَ شُغْلٌ يستوفيه ويستغرقه، وترى الناس سكارى أي من هَوْلِ ذلك اليوم عقولهم ذاهبة، والأحوال في القيامة وأهوالها غالبة. وكأنهم سكارى وما هم في الحقيقة بسكارى، ولكن عذاب الله شديد، ولشِدَّتِه يحيرهم ولا يبقيهم على أحوالهم وهم يتفقون في تشابههم بأنهم سُكَارَى، ولكنَّ موجِبَ ذلك يختلف؛ فمنهم مَنْ سُكْرُه لِمَا يُصِيبه من الأهوال، ومنهم من سُكْرُه لاستهلاكه في عين الوصال.
كذلك فَسُكْرُهم اليومَ مختلفٌ؛ فمنهم من سكره سكر الشراب، ومنهم من سكره سكر المحاب. وشتَّان بين سُكْرٍ وسُكْر؛ سُكْرٌ هو سُكْرُ أهلِ الغفلة، وسُكْرٌ هو سُكْرُ أهل الوصلة.

.تفسير الآية رقم (3):

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (3)}
المجادلة لله- مع أعداء الحق وجاحدي الدِّين- من موجبات القربة، والمجادلة في الله- والمماراة مع أوليائه، والإصرارُ على الباطل بعد ظهور الدلائل من أمارات الشقوة، وما كان لوساوس الشيطان ونزعاته فقصاراه النار.

.تفسير الآية رقم (4):

{كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (4)}
مَنْ وافق الشيطان بمتابعة دواعيه لا يهديه إلاَّ إلى الضلال، ثم إنه في الآخرة يتبرأ من موافقته ويلعن جملةَ مُتَّبِعيه. فنعوذ بالله من الشيطان ونزغاته، ومن درك الشقاء وشؤم مفاجآته.

.تفسير الآية رقم (5):

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)}
قوله جلّ ذكره: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ في رَيْبٍ مِّنَ البَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ في الأَرْحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً}.
التبس عليهم جواز بعثه الخَلْق واستبعدوه غاية الاستبعاد، فلم ينكر الحق عليهم إلا بإعراضهم عن تأمل البرهان، واحتجَّ عليهم في ذلك بما قطع حجتهم، فَمَنْ تَبعَ هُداه رَشِدَ، ومَنْ أصَرَّ على غَيِّه تَرَدَّى في مهواة هلاكه.
واحتجَّ عليهم في جواز البعث بما أقروا به في الابتداء أن الله خَلَقَهم وأنه ينقلهم من حال إلى حال أخرى؛ فبدأهم من نطفة إلى علقة ومنها ومنها..... إلى أَنْ نَقَلَهم من حال شبابهم إلى زمان شَيْبهم، ومن ذلك الزمان إلى حين وفاتهم.
واحتجَّ أيضاً عليهم بما أشهدهم كيف أنه يحيي الأرض- في حال الربيع- بعد موتها، فتعود إلى ما كانت عليه في الربيع من الخضرة والحياة. والذي يَقْدِرُ على هذه الأشياء يقدر على خَلْق الحياة في الرِّمة البالية والعظام النخرة.
قوله: {وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ العُمُرِ} [الحج: 5]: زمان الفترة بعد المجاهدة، وحال الحجبة عقب المشاهدة.
ويقال أرذل العمر السعي للحظوظ بعد القيام بالحقوق.
ويقال أرذل العمر الزلة في زمان المشيب.
ويقال أرذل العمر الإقامة في منازل العصيان.
ويقال أرذل العمر التعريج في أوطان المذلة.
ويقال أرذل العمر العِشْرَةُ مع الاضداد.
ويقال أرذل العمر عَيْشُ المرءِ بحيث لا يُعْرَفُ قَدْرُه.
ويقال أرذل العمر بأن يُوكَل إلى نَفْسِه.
ويقال أرذل العمر التطوح في أودية الحسبان أن شيئاً بغير الله.
ويقال أرذل العمر الإخلاد إلى تدبير النَّفْس، والعَمَى عن شهود تقدير الحق.

.تفسير الآية رقم (6):

{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)}
الله هو الحقُّ، والحق المطلق الوجود، وهو الحق أي ذو الحق.
{وَأَنَّهُ يُحِى المَوْتَى} أي الأرض التي أصابتها وَحْشَةُ الشتاء يحييها وقتَ الربيع.
ويقال يحيي النفوسَ بتوفيق العبادات، ويحيي القلوبَ بأنوار المشاهدات.
ويقال يحيي أحوال المريدين بحسن إقباله عليهم.
ويقال حياة الأوقات بموافقة الأمر، ثم بجميلِ الرضا وسكونِ الجأش عند جريان التقدير.

.تفسير الآية رقم (8):

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (8)}
دليل الخطاب يقتضي جواز المجادلة في الله إذا كان صاحب المجادلة على علم بالدليل والحجة ليستطيع المناضلة عن دينه، قال سبحانه لنبيِّه: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِى هي أَحْسَنُ} [النحل: 125] ومَنْ لم يُحْسِنْ مذهبَ الخَصْمِ وما يتعلق به من الشُبَهِ لم يمكنه الانفصال عن شُبْهَتهِ، وإذا لم تكن له قوة الانفصال فلا يُسْتَحَبُّ له أن يجادل الأقوياء منهم، وهذا يدل على وجوب تعلُّم علم الأصول، وفي هذا ردٌّ على مَنْ جَحَدَ ذلك.

.تفسير الآية رقم (9):

{ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (9)}
يريد أنه متكبِّر عن قبول الحق، زاهِدٌ في التحصيل، غيرُ واضعٍ نظره موضعه؛ إذ لو فعل ذلك لهان عليه التخلُّص من شُبْهتهِ.
ثم قال: {لَهُ في الدُّنْيَا خِزْىٌ} أي مذلة وهوان، وفي الآخرة عذاب الحريق.

.تفسير الآية رقم (11):

{وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11)}
يعني يكون على جانبٍ، غير مخلص لا له استجابة توجب الوفاق، ولا جَحْداً يبين الشقاق؛ فإنْ أصابه أَمْنٌ وخير ولِينٌ اطمأن به وسَكَنَ إليه، وإن أصابته فتنةٌ أو نالته محنة ارتدَّ على عقبيه ناكساً، وصار لِمَا أظهر من وفاقه عاكساً. ومَنْ كانت هذه صفته فقد خسر في الدارين، وأخفق في المنزلتين.

.تفسير الآيات (12- 13):

{يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13)}
أي يعبد مَنْ المضَرَّةُ في عِبادتهِ أكثرُ من النَّفْع منه، بل ليس في عبادته النفع بحالٍ، فالضُّرُّ المُتَيَقَّنُ في عِبادتهم الأصنام هو بيانُ رَكاكة عقولِهم، ورؤيةُ الناسِ خطأ فِعْلِهم. والنفع الذي يتوهمونه في هذه العبادة ليس له تحصيل ولا حقيقة.
ثم قال: {لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ}: أي لبئس الناصرُ الصَّنَمُ لهم، ولبئس القومُ هم للصنم، ولِمَ لا؟ ولأجْلِه وقعوا في عقوبة الأبد.

.تفسير الآية رقم (14):

{إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (14)}
{الَّذِينَ ءَامَنُواْ}: أي صَدَّقُوا ثم حقَّقُوا؛ فالإيمانُ ظاهِرُه التصديق وباطنه التحقيق، ولا يصل العبد إليهما إلا بالتوفيق.
ويقال الإيمان انتسام الحق في السِّرِّ.
ويقال الإيمان ما يوجب الأمان، ففي الحال يجب الإيمان وفي المآل يوجب الأمان، فمُعَجَّلُ الإيمان من (...) المسلمين، مؤجَّلُه الخلاصُ من صحبة الكافرين الفاسقين.
قوله: {وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ}: العمل الصالح ما يصلح للقبول، ويصلح للثواب، وهو أن يكون على الوجه الذي تعلَّق به الإيمان.
والجنان التي يدخل المؤمنين فيها مؤجلة ومعجلة، فالمُؤَجَّلَة ثواب وتوبة، والمعَجَّلةُ احوالٌ وقربة، قال تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [الرحمن: 46].

.تفسير الآية رقم (15):

{مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لِيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ (15)}
أي أنَّ الحقَّ- سبحانه- يرغم اعداءَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، فَمَنْ لم تَطبْ نفْسُه بشهود تخصيص الله سبحانه بما أفرده به فليقتلْ نَفْسَه من الغيظ خَنْقاً، ثم لا ينفعه ذلك كما قيل:
إنْ كنتَ لا ترضى بما قد ترى ** فدونَكَ الحَبْلَ به فاخْنق

.تفسير الآية رقم (16):

{وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ (16)}
{ءَايَاتٍ بَيِّنَاتٍ}: أي دلالات وعلامات نَصبَهَا الحقُّ سبحانه لعباده، فمن الآيات ماهو قضية العقل، ومنها ما هو قضية الخبر والنقل، ومنها ماهو تعريفات في أوقات المعاملات فما يجده العبد في حالاته من انغلاقٍِ، واشتداد قبضٍ، وحصول خسران، ووجوه امتحان.. لا شكَّ ولا مرية إذا أَخَلَّ بواجبٍ أو ألَمَّ بمحظور. أو تكون زيادة بَسْطٍ أو حلاوة طاعة، او تيسير عسيرٍ من الأمور، أو تجدد إنعامٍ عند حصول شيءٍ من طاعاته.
ثم قد يكون آيات في الاسرار، هي خطابُ الحقِّ ومحادثةٌ معه، كما في الخبر: «لقد كان في الأمم مُحَدَّثون فإن يك في أمتي فعمر».
ثم يقال الآيات ظاهرِةٌ، والحجج زاهرة، ولكن الشأن فيمن يستبصر.

.تفسير الآية رقم (17):

{إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (17)}
أصناف الناس على اختلاف مراتبهم: الوليُّ والعدوُّ، والموحِّد والجاحد يُجْمَعُون يومَ الحشر، ثم الحقُّ- سبحانه- يعامِل كلاً بما وَعَدَه؛ إما بوصالٍ بلا مَدَى، أو بأحوالٍ بلا منتهى. الوقتُ واحد؛ وكلٌّ واحدٍ لما أُعِدَّ له وافد، وعلى ما خُلِقَ له وارد.

.تفسير الآية رقم (18):

{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18)}
أهل العرفان يسجدون له سجودَ عبادة، وأربابُ الجحود كُلُّ جزءٍ منهم يسجد له سجودَ دلالة وشهادة.
وفي كل شيءٍ له آيةٌ ** تَدُلُّ على أنه واحدُ

.تفسير الآية رقم (19):

{هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19)}
أما الذين كفروا فلهم اليومَ لباسُ الشرْكِ وطِرازُه الحرمان، ثم صدار الإفك وطرازه الخذلان. وفي الآخرة لباسهم القطران وطرازه الهجران، قال تعالى: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ} [المؤمنون: 108].
أمَّا أصحابُ الإيمانِ فلِباسُهم اليومَ التقوى، وتنقسم إلى اجتناب الشِّرْكِ ثم مجانبة المخالفة، ثم مباينة الغفلة، ثم مجانبة السكونِ إلى غير الله والاستبشار إلى ما سوى الله وفي الآخرة لِباسُهم فيها حريرٌ، وآخرون لباسهم صدار المحبة، وآخرون لباسهم الانفراد به، وآخرون هم أصحاب التجريد؛ فلا حالَ ولا مقامَ ولا منزلةَ ولا محل وهم الغُرَبَاءُ، وهم الطبقة العليا، وهم أحرار من رِقِّ كل ما لَحِقهُ التكوين.

.تفسير الآية رقم (23):

{إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (23)}
التحلية تحصينٌ لهم، وسَتْرٌ لأحْوالهم؛ فهم للجنة زينة، وليس لهم بالجنة زينة:
وإذا الدُرُّ زَانَ حُسْنَ وجوهٍ ** كان للدُّرِّ حُسْنُ وَجْهِكَ زَيْنَا